ابن الجوزي

3

شذور العقود في تاريخ العهود

مقدمة التحقيق بسم اللّه الرّحمن الرحيم الحمد لله كما ينبغي لجلاله ، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى محمد وصحبه وآله . وبعد : فإن في الوقوف على تاريخ الأوائل ، والاطلاع على الأحداث والأخبار التي أثّروا فيها وأثّرت فيهم فوائد جمة تجعل من علم التأريخ علما بالغ الأهمية ، لا يسع من يسعى إلى الأمام أن يعرض عنه أو يغفل عن أخباره . فمن تتبع أخبار الأمم الخالية ، وقف على الكثير من وجوه قدرة الخالق عز وجل وسننه التي لا تتخلف في خلقه ، وألمّ بسبل التقدم والرقي للبشرية ، فأفاد من العلم بماضيها ، ما يدعم بناء حاضرها ومستقبلها ، وتيقن أن التاريخ يعيد نفسه كما يقول دارسوه ، كي لا يفاجأ بصروف الزمن ، وتعاقب الملوك والدول . وفي ثنايا الأحداث التاريخية تكمن أسباب الرقي والسؤدد لمن أراد الأخذ بها ، مع ما يقابلها من أسباب التخلف والانحدار التي يبغي تحاشيها والبعد عنها . وهو كذلك مليء بنماذج بشرية سامقة لمن يروم القدوة والأسوة ، وأخرى تقابلها لطواغيت وظلمة دارت عليهم الدوائر ، ولم يعد لهم ذكر فيما سوى الأسفار والدفاتر ، وكفى بذلك واعظا لمن يتعظ بغيره من متأخرة المتسلطين وأعوان الظلمة وجنود إبليس أجمعين . فإذا أضفنا إلى ذلك كله ما في الإبحار بين ألواح الأسفار من متعة للنفس ، وانشراح للصدر ، وتخفيف لوقع النوائب ، وتسلية لأهل المصائب ، طاب لنا